تكنولوجيااخبارالتحول الرقميتجربة العميلمقالات

مستقبل مراكز الخدمة الحكومية في عالمنا العربي

مستقبل مراكز الخدمة الحكومية في عالمنا العربي

الدكتور أحمد علي شعبان

حتى نتمكن من تلبية احتياجات المتعاملين ونتخطي سقف توقعاتهم، هل نحتاج للاستثمار في تطوير وتحسين مراكز الخدمة الحكومية في عالمنا العربي؟” “هل سيظل المتعامل العربي يلجأ لزيارة مركز الخدمات الحكومي للوزارة أو للهيئة الفلانية لتجديد الهوية أو جواز السفر أو استخراج شهادة ميلاد”.

يشغل هذا السؤال أذهان قادة جميع المؤسسات الحكومية في دولنا العربية- وتأتي الجائحة لتزيد من هذا حجم هذه التساؤلات مع خوف العديد من الأفراد الذهاب لأماكن مزدحمة أو مع ارتفاع التكاليف التشغيلية لمراكز الخدمة من وجهة نظر الحكومات.

لا يقتصر تركيز التحدي الجديد على التحول الرقمي فحسب، بل يشمل إحداث تغييرات جذرية في تفضيلات المتعاملين وسلوكهم عندما يتعلق الأمر بالحصول على الخدمات الحكومية.

توصلت العديد من الدراسات التي استهدفت استطلاع احتياجات المتعاملين وتفضيلاتهم في واحدة من دول الخليج الصاعدة، إلى النتائج التالية:

  • لا يزال المتعاملون يفضّلون التعامل مع العنصر البشري عند الحصول على الخدمة، فهم يرغبون في التحدث إلى أشخاص قادرين على الإجابة على أسئلتهم (الارتياح).
  • فئة “العمالة بشكل عام” هي شريحة من المتعاملين الذين لا يزالون يفضّلون الطريقة التقليدية من خلال زيارة مراكز الخدمة شخصياً.
  • يفضّل “كبار السن في دول الخليج بشكل خاص وفي دولنا العربية بشكل عام” قضاء الوقت في زيارة مراكز الخدمة والتحدث إلى الأشخاص الموجودين هناك أثناء انتظار الحصول على الخدمة.
  • في عالم البيع، يفضّل المتعاملون زيارة المتاجر ومراكز الخدمة بأنفسهم للتحقق من المنتجات وتجربتها قبل الشراء.
  • في ظل انتشار عمليات الشراء الإلكترونية، طرأت تغيرات جذرية على قطاع الأعمال التقليدي، ما يدفعنا إلى التساؤل حول كيفية الاستفادة من المتاجر التي أصبحت خاوية؟ وما الذي ينبغي أن يكون عليه مستقبل مركز الخدمات الحكومية؟

للإجابة على هذه التساؤلات، نستعرض سويا بعض دراسات الحالة والتي تفتح للأذهان أفق مختلف من التفكير في مستقبل مراكز الخدمة في عالمنا العربي.

تقدم متاجر شركة الاتصالات السنغافورية “سينج تل” (SingTel) المعززة رقمياً دليلاً واضحاً على أن عصر مراكز الخدمة لن ينتهي أبداً، وأننا بصدد المضي قدماً نحو حقبة جديدة تتحول فيها مراكز الخدمة إلى قناة توفر لعملائها قيمة جديدة (“نجم قطاع التجزئة لم يأفل بعد! مرحباً بكم في عصر المتاجر المعززة رقمياً … عنوان تقرير صادر عن “سينج تل”).

مراكز الخدمة الحكومية

طرحت شركة “سينج تل” مقاربة هجينة تجمع ما بين جميع نقاط التفاعل المتصلة بشبكة الانترنت وغير المتصلة بها، بغرض توفير أفضل تجربة للمتعاملين من خلال الخدمات المخصّصة.

تجدون أدناه قائمة بأبرز خصائص المتاجر المعززة رقمياً، إذ تم جمع أفضل الخدمات الرقمية والخدمات الشخصية لتوفير خدمة المتعاملين المثالية.

1- نظام انتظار ذكي قائم على الاتصال اللاسلكي “واي فاي”:

تتمثل الطريقة الأبسط والأمثل للحصول على رقم انتظار في تسجيل الدخول إلى شبكة الاتصال اللاسلكي “واي فاي” المجانية الخاصة بالمتجر، حيث يحصل المتعاملون على تحديث دقيق عن مدة الانتظار، إلى جانب مشاهدة بث تلفزيوني مباشر على أجهزتهم الجوالة في الوقت نفسه.

وعلى الرغم من بساطة هذه الخاصّية إلا أن الفوائد التي تقدمها كبيرة للغاية، فمن خلال معلومات تسجيل الدخول يمكن لشركة “سينج تل” التعرف إلى المتعاملين باستخدام رقم هاتفهم، واستخراج سجلاتهم، وأجهزتهم المفضلة، والمعاملات الأخيرة التي أجروها عبر الإنترنت، وذلك عبر السجلات المحفوظة لديها.

مراكز الخدمة الحكومية

2- تحليلات متطورة لجموع المتعاملين والبيانات:

يمكن لمدير المتجر عبر استخدام شبكة الاتصال اللاسلكي “واي فاي” وموقع المتعاملين وحركتهم داخل المتجر وبدعم من كاميرات المتجر، أن يقوم بتحليل حركة المتعاملين بالوقت الفعلي، الأمر الذي يتيح لمدراء المتجر اختيار المنتجات المناسبة للعرض وإعادة استخدام الموارد المتاحة لديهم بكفاءة.

مراكز الخدمة الحكومية

3- إتمام المشتريات بسهولة ومرافق رقمية للخدمة الذاتية:

يشمل المتجر جداراً بطول تسعة أمتار يوفر للمتعاملين إمكانية تجربة أحدث المنتجات والإكسسوارات، وحتى إمكانية الشراء الفوري من خلال مسح الرمز الشريطي للمنتج الذي يؤدي إلى إيقاف تشغيل الجهاز المضاد للسرقة تلقائياً، ما يسمح للمتعامل بأخذ الجهاز والمغادرة بعد إتمام عملية الدفع والخروج بسهولة كبيرة.

مراكز الخدمة الحكومية

مراكز الخدمة الحكومية

يوفر المتجر أيضاً أكشاكاً مختلفة للخدمات الالكترونية تسمح للمتعاملين بتسديد الفواتير وتعبئة البطاقات واستبدال بطاقات تعريف المشترك (“سيم”).

وبفضل الخزنات الذكية، يمكن للمتعاملين استلام الأجهزة التي اشتروها عبر الانترنت طوال أيام الأسبوع وعلى مدار الساعة من خلال إدخال رقم المنتج ورمز التحقق.

مراكز الخدمة الحكومية

4- “البوتات” الحية – الموظفون الأذكياء:

تقدم “سينج تل” من خلال الأجهزة اللوحية “آيباد” المتصلة بالموظفين المتواجدين عبر الإنترنت، قناة جديدة لمساعدة المتعاملين في الحصول على الخدمات عن بعد بواسطة وكيل موجود في متجر آخر غير مكتظ بالمتعاملين أو أي وكيل في مركز الاتصال. ومن ميزات هذه العملية أنها مكالمة مصورة بسيطة قادرة على مساعدة المتعاملين في الحصول على ما يحتاجون إليه بطريقة ذكية.

مراكز الخدمة الحكومية

5- عملية تفحّص بديهية للمنتج:

بفضل المنتجات المتصلة بمستشعرات قائمة على تقنية إنترنت الأشياء، والأجهزة المزودة بشاشات لمس ذكية وكاميرات، يمكن لكل قسم أن يوفر تحليلاً دقيقاً لنظرة المتعاملين إلى المنتج، والوقت الذي يحتاجونه بالثواني لتجربة هذا المنتج، إضافة إلى تزويد المتعاملين بمعلومات مفيدة لمساعدتهم على اتخاذ قرار الشراء، كالمعلومات عن المنتج والمقارنات والأسعار.

6- مساحة قابلة للتحويل لتنظيم الفعاليات:

تقع هذه المساحة في وسط المتجر وهي مزودة بشاشة جدارية طولها سبعة أمتار تعمل بتقنية الصمام الثنائي الباعث للضوء “إل إي دي”، ومنطقة جلوس مريحة، ويمكن استخدامها كمنطقة انتظار ومشاهدة البرامج التلفزيونية أثناء ذلك. كما يمكن تحويل هذه المساحة بسهولة إلى منطقة للفعاليات الخاصة مثل إطلاق منتج جديد وعقد مؤتمرات صحفية أو تنظيم مسابقات ألعاب إلكترونية.

مراكز الخدمة الحكومية

لقد سجّل هذا المركز في واقع الأمر زيادة بنسبة 30 في المائة في حركة المتعاملين، وزيادة كبيرة في إنتاجية الموظفين، إلى جانب تحقيق نتائج مرتفعة لرضا المتعاملين وصلت إلى 97%.

دراسة الحالة أعلاه ليس هى الوحيدة. في دبي ، طبقت آبل نفس الشيء من خلال فتح متجر جديد في دبي مول – برج خليفة مع إطلالة رائعة على النافورة ومع تجهيزات جاهزة تحول رحلة العملاء بشكل إيجابي.

مراكز الخدمة الحكومية

من المتوقع أن تقوم الحكومات الرائدة في عالمنا العربي بتحويل مراكز الخدمة إلى قنوات جديدة في المستقبل:

– قنوات تقدّم تجربة جديدة من خلال الدمج بين العنصر البشري والنظم فائقة الذكاء.

– قنوات يمكن استخدامها كمختبر خدمي يتم من خلاله توفير الخدمات وفي الوقت نفسه جمع آراء المتعاملين حول الخدمات والمنتجات المقدمة.

– قنوات توفر خدمات ذكية عبر الاستعانة بأنظمة متكاملة ومنهجيات عمل استباقية.

– قنوات تحقق أقصى درجات الكفاءة من حيث التكلفة واستخدام الموارد المتاحة.

لتحقيق تلك الأهداف، يمكن للجهات الحكومية تبنّي آليات عمل مختلفة تتضمن على سبيل المثال ما يلي:

1-تكثيف الاعتماد على التقنيات المتطورة مثل إنترنت الأشياء، ونظام التعرف على الوجه، والذكاء الإدراكي، والأنظمة الذكية والمتكاملة. تساعد هذه التقنيات في تقديم خدمات ذكية واستباقية، والتعرّف إلى المتعامل فور دخوله أو اتصاله بمركز الخدمة، ومن ثمّ تمكين الموظفين للاستعداد بالحلول اللازمة حتى يشعر المتعامل بجاهزية الحكومة لتلبية احتياجاته في جميع الأوقات.

2- تمكين الموظفين بالأدوات والقرارات حتى يتمكنوا من حل المشاكل التي تواجه المتعاملين على الفور. فمن خلال تمكين موظفي خدمة المتعاملين وتخويل بعض الصلاحيات لهم، تصبح لديهم الفرصة لتقديم تجربة مميزة يتذكرها المتعامل دائماً.

3- توفير منصة موحدة يمكن للمتعاملين الحصول من خلالها على جميع الخدمات المتصلة ببعضها البعض، وهو ما بات يُعرف الآن باسم “باقات الخدمات” الذي تقوده دول مثل ماليزيا وأستونيا وفنلندا وسنغافورة و السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. فعند دخول إلى مركز الخدمة لتجديد تسجيل سيارته على سبيل المثال، سيجد جميع الخدمات ذات الصلة بدءاً من فحص السيارة، والترخيص، والتأمين، والإصلاح الميكانيكي، وغيرها.

4- تعزيز كفاءة استخدام الموارد البشرية. تقوم شرطة دبي حالياً بتحويل جميع مراكز الشرطة لديها إلى مراكز شرطة ذكية من خلال توفير أكشاك ذكية مجهزة بنظم الاتصالات عن طريق الفيديو، حيث يمكن للمتعاملين الذهاب إلى أحد هذه المراكز ورفع دعوى بينما يقوم الموظف المختص بالتواصل معه من مكان آخر به عدد أقل من المتعاملين.

هذه الممارسة تحديدا هى تطبيق عملي للكفاءة الحكومية – كيف أن تدير مركز لتقديم الخدمات بطريقة ذكية وبدون وجود عنصر بشري.

مراكز الخدمة الحكومية

مراكز الخدمة الحكومية

5- استخدام مراكز الخدمة كمختبرات مستقبلية لاختبار الخدمات والمنتجات والباقات والاستفادة من آراء المتعاملين في تحسين الخدمة.

خلاصة القول أن مراكز الخدمة باقية ولن تندثر أبداً، ونأمل أن تتبنى الحكومات الرائدة في عالمنا العربي كما عودتنا على الابتكار والابداع توجهاً مستقبلياً يعزز الاستفادة بشكل أفضل من المراكز الحالية والتقنيات الحديثة لتقديم تجربة لا تُنسى للمتعاملين.

أحمد علي شعبان

أحمد هو خبير استراتيجي في التجربة الحكومية وله تاريخ طويل في تقديم البرامج الناجحة التي تركز على التحول الحكومي في دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها. مع أكثر من 18 عامًا من الخبرة المهنية في تطوير الخدمات الحكومية، وتقديم الخدمات، وتطوير استراتيجيات تجربة المتعامل، والبحوث والاستشارات، في كل من الشركات الحكومية وشركات القطاع الخاص ، حيث قاد مبادرات التحول الرقمي والتحول في مجال الأعمال التي تعتمد على التكنولوجيا الناشئة. يؤمن أحمد أيضًا برد الجميل للمجتمع. وفقًا لذلك، فهو عضو هيئة تدريس مساعد في كليات التقنية العليا في الإمارات العربية المتحدة، مع التركيز على بناء المعرفة للأجيال الناشئة. (Business Analytics, Business Information System). يحمل أحمد درجة الدكتوراه من IBS-UTM كلية إدارة الأعمال الدولية Universiti Teknologi Malaysia)) ودرجة البكالوريوس في هندسة الإلكترونيات والاتصالات من جامعة القاهرة في مصر

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى